عبد الوهاب الشعراني
29
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
مغرب لابن العربي فإن أكبر العلماء لا يكاد يفهم منه معنى مقصودا لقائله أصلا بل خاص بمن دخل مع ذلك المتكلم حضرة القدس فإنه لسان قدسي لا يعرفه إلا الملائكة أو من تجرد عن هيكل البشرية أو أصحاب الكشف الصحيح . وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رضي الله عنه يقول بعد اجتماعه على الشيخ أبي الحسن الشاذلي ، وتسليمه للقوم : من أعظم الدليل على أن طائفة الصوفية قعدوا على أعظم أساس الدين ما يقع على أيديهم من الكرامات والخوارق ولا يقع شيء من ذلك قط لفقيه إلا أن سلك مسلكهم كما هو مشاهد . وكان الشيخ عز الدين رضي الله عنه قبل ذلك ينكر على القوم ويقول هل لنا طريق غير الكتاب والسنة ؟ فلما ذاق مذاقهم وقطع السلسلة الحديد بكراسة الورق صار يمدحهم كل المدح ، ولما اجتمع الأولياء والعلماء في وقعة الإفرنج بالمنصورة ، قريبا من ثغر دمياط جلس والشيخ عز الدين مكين الدين الأسمر ، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وأضرابهم وقرأت عليهم رسالة القشيري وصار كل واحد يتكلم إذ جاء الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه فقالوا له نريد أن تسمعنا شيئا من معاني هذا الكلام . فقال أنتم مشايخ الإسلام وكبراء الزمان وقد تكلمتم فما بقي لكلام مثلي موضع فقالوا له لا بل تكلم ، فحمد اللّه وأثنى عليه وشرع يتكلم فصاح الشيخ عز الدين من داخل الخيمة وخرج ينادي بأعلى صوته هلموا إلى هذا الكلام القريب العهد من اللّه تعالى فاسمعوه . قال اليافعي رضي الله عنه في كتابه ( روض الرياحين ) : والعجب كل العجب ممن ينكر كرامات الأولياء ، وقد جاءت في الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحات والآثار المشهورات والحكايات المستفيضات حتى بلغت في الكثرة مبلغا يخرج عن الحصر . ثم قال رضي الله عنه : والناس في إنكار الكرامات على أقسام : منهم من ينكرها مطلقا وهم أهل مذهب معروفون وعن التقوى مصروفون قال بعضهم هم المجسمة . ومنهم من يصدق بكرامات من مضى ويكذب بكرامات أهل زمانه فهؤلاء كما قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه كبني إسرائيل صدقوا بموسى حين لم يروه وكذبوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم حين رأوه ، مع أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم أعظم من موسى وإنما ذلك حسدا منهم وعدوانا وشقاء منهم .